Skip to main content

في أمسية فكرية بحرينية حملت عبق الذاكرة الثقافية وروح الوفاء للرموز الوطنية، نظّمت جمعية الصحفيين البحرينية، مساء أمس الأول السبت، لقاءً مفتوحًا استضافت فيه هالة بنت محمد جابر الأنصاري، للحديث عن تأسيس دارة د. محمد جابر الأنصاري للفكر والثقافة، وسيرة الراحل الفكرية والصحفية، ودوره الريادي في تشكيل الوعي الثقافي البحريني والعربي. وناقشت الأمسية الدور الذي تقوم به «الدارة» في صون إرثه وإعادة تقديم فكره للأجيال الجديدة بأساليب عصرية، تتفاعل مع لغة الشباب واهتماماتهم.
وشهدت الأمسية حضور مستشار جلالة الملك لشؤون الإعلام نبيل بن يعقوب الحمر، ورئيس جمعية الصحفيين عيسى الشايجي، ووكيل وزارة الإعلام يوسف البنخليل، إلى جانب عدد من الصحفيين والمثقفين والمهتمين، وممثلي عدد من مؤسسات المجتمع المدني.

الأنصاري: الدارة بيتٌ لإرث الوالد وفكره
أكدت هالة الأنصاري في حديثها أن اختيار مسمى «دارة» لم يكن مصادفة، موضحة «اخترنا أن تكون دارة وليست دارًا؛ لأن المؤسسات الفكرية ترتبط أكثر بالثقافة من أي تصنيف آخر، كما أن كلمة (دارة) مرتبطة بشخص والدي وإرثه، وتعكس الطابع الإنساني والفكري للمكان. هي البيت الذي يجمع إرثه ومسيرته الطويلة».
وأشارت الأنصاري إلى أن فكرة تأسيس الدارة جاءت بالتزامن مع احتفاء وزارة الإعلام بثمانينية الراحل، مؤكدةً أن العائلة رغبت في تقديم هذا المشروع وفاءً لذكراه وإسهاماته، فـ«الوالد كان عضوًا مؤسسًا في أسرة الأدباء والكتّاب وأول رئيس لها، وشارك في تأسيس جمعية الصحفيين البحرينية وغيرها الكثير، وكان له حضور مؤثر في المشهد الثقافي العربي، لذلك شعرنا بضرورة أن نواصل هذا النهج».
وأضافت أن المشروع أتاح لها التعرّف على والدها بشكل أعمق من خلال كتاباته الصحفية والفكرية، موضحةً أن هدف الدارة هو إتاحة إرث الأنصاري للأجيال الجديدة والمختصين والباحثين، مع تركيز خاص على جذب الشباب عبر المنصات الرقمية، وتابعت: «الشباب اليوم بعيدون عن فكر الوالد، لذلك نعمل على تقديمه بطريقة مبسطة وجذابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي».
وأشارت الأنصاري إلى أن والدها الراحل رسّخ مفهوم الثقافة البحرينية الأصيلة قبل النفط، واعتبر معاناة المجتمع في تلك الفترة جزءًا جوهريًا من هويته الفكرية، مضيفةً: «نحن نتعاون مع صحيفة الأيام بين الحين والآخر لإعادة نشر مقالاته، كما نعمل على إعادة طباعة كتبه التي نفدت من الأسواق، وبعضها لم يُنشر بعد».
وكشفت عن إطلاق مسابقة فكرية تحمل اسم الأنصاري، من أهدافها تشجيع الباحثين والمفكرين الشباب للبناء على فكر الراحل، وقالت: «تلقينا أكثر من 30 مشاركة من داخل وخارج البحرين، والإقبال كان أعلى محليًا، وقررنا تمديد فترة التقديم بسبب الإقبال اللافت».

الحمر: الأنصاري جمع الفكر القومي والإسلامي والحداثي
من جانبه، قال نبيل بن يعقوب الحمر، مستشار جلالة الملك لشؤون الإعلام، إن المفكر الراحل د. محمد جابر الأنصاري يُعد من القمم الفكرية النادرة في العالم العربي، مشيرًا إلى أن «الأنصاري جمع بين الفكر الإسلامي والحداثي والقومي في وقتٍ كان الانقسام فيه حادًا، وهو من المفكرين القلائل الذين استطاعوا أن يوازنوا بين هذه الاتجاهات».
واستذكر الحمر بداياته مع الراحل قائلاً: «لم يكن لي شأن في الصحافة والسياسة، فكنت أكتب نقدًا سينمائيًا في المجلات خاصةً «الرائد»، وكان الأنصاري هو من أدخلني إلى عالم الصحافة، إذ كان يغذّيني بالفكر والرؤية، وتعلمت على يده الكثير».
وأوضح أن الأنصاري كان الكاتب السياسي الوحيد مع محمود المردي في فترة كانت الساحة الصحفية يهيمن عليها كتّاب القصة والشعر، مشيرًا إلى أن مقالاته كانت نافذة فكرية جريئة في مرحلة سياسية حساسة، وتابع: «عملنا معًا في بدايات عهد جلالة الملك، وكان دائم الحضور في الاجتماعات، مؤمنًا بدور الفكر والثقافة في بناء الدولة الحديثة». وأكد الحمر على أن الدارة تمثل منصة فكرية حيوية يجب أن تستمر، مضيفًا: «من يحاضر في دارة الأنصاري يجب أن يكون حافزًا له ووسام شرف، ويجب عليه أن يقدّم قيمة حقيقية للفكر البحريني، لأنها تحمل اسم رجلٍ صنع الوعي الثقافي في المنطقة، فالأنصاري لم يكن مفكرًا أكاديميًا فقط، بل كان صانع وعي مجتمعي متقدّم».

«كلنا نقرأ»: سنضع فكر الأنصاري تحت المجهر
من جانبها، أكدت جمعية «كلنا نقرأ» التزامها بدعم مشروع الدارة وتسليط الضوء على إرث المفكر الراحل، مشيرةً إلى أن دور الشباب أساسي في قراءة وتفكيك أعمال الأنصاري، وأضافت: «نتعهد بإطلاق حلقات نقاشية متخصصة حول فكره ومسيرته، ووضع أعماله تحت المجهر النقدي البنّاء. نعلم أن الراحل كان يحب النقد، لذلك سنسير على نهجه بروحٍ منفتحة، رغم التخوّف من الخوض في هذه التجربة لكيلا تُؤخذ بوجه معاكس».

فكر يتجدد.. ورسالة لا تموت
واختُتمت الأمسية بتأكيد الحضور على أن دارة محمد جابر الأنصاري ليست مجرد مشروع ثقافي، بل جسر بين جيلين، يحمل رسالة فكرية وإنسانية متجددة، ويُعيد إحياء مدرسة من مدارس الوعي العربي الحديث.